
مدنية الدولة في سورية: الجذور المبكرة لتقييد المجتمع المدني (1918-1958)
يتناول هذا البحث العلاقة بين الدولة السورية الناشئة والمجتمع المدني المنظم خلال الفترة الممتدة بين 1918 و1958، بوصفها علاقة تأسيسية أسهمت في رسم حدود المجال العام وطبيعة المشاركة المدنية والسياسية في سورية الحديثة. وينطلق البحث من فرضية مفادها أن تقييد المجتمع المدني لم يكن نتيجة ظروف استثنائية أو انحرافات مؤقتة، بل مساراً تراكمياً بدأ منذ تأسيس الدولة، ويركز نصوص دستورية وتشريعية وممارسات عملية أدت باستمرار تعريف المجال العام على نحو تقييدي.
يعتمد البحث على المنهج التاريخي والتحليلي، من خلال تتبع أطر القانونية الناظمة للجمعيات والأحزاب والاجتماعات العامة، وتحليل القرارات والممارسات التي رفعت تعاطف الأطر السياسية المختلفة، من الحكم العربي والانتداب الفرنسي إلى الاستقلال العسكري والسياسي-المصرية، وتظهر البحث أن تغير الأطر له يقف في تغيير دوري في نمط إدارة العلاقة بين الدولة والمجتمع المدني، بل يُرجى إعادة إنتاج التقييد ذاته بأدوات متجددة.
يوثق البحث ثلاث آليات رئيسية شكلت البنية الأساسية لتقييد المجتمع المدني المنظم: تسهيل الحال للجمعيات والأحزاب والتنظيمات السياسية، وتجفيف منابع القوة البشرية للمجتمع المدني ولا سيما عبر تحديد المنظمين والطلاب، وتقنين الفسح من تشريعات منحت السلطة التنفيذية صلاحيات واسعة في الترخيص والمراقبة والحلق، واكتشاف هذه الآليات أن الدولة السورية تم تظر إلى المجتمع المدني بوصفه شريكاً في المجال العام، كموضوع للضبط و الإعلام أو التوظيف السلطوي.
ويخلص البحث إلى أن ضعف المجتمع المدني والسرد المستمر حول مدنية الدولة وحدود المشاركة العامة حتى اليوم هما نتيجة منطقية لأزمات طويلة من التقدم الدستوري والقانوني والعلمي. ويؤكد أن أي مسار لإعادة بناء الدولة أو إصلاح الإطار الدستوري والقانوني يستدعي مراجعة نقدية تاريخية لأسس علاقة الدولة بالمجتمع المدني، والتفكير في عقد اجتماعي جديد عبر حوار مجتمعي وسياسي وقانوني شامل دون إقصاء أو تمييز.